أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

493

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ تقدّم الكلام على نظيرتها ، وهي ما نَنْسَخْ « 1 » ، فكلّ ما قيل ثمّ يقال هنا . قال أبو البقاء : « ونزيد هنا وجها آخر : وهو أن يكون « من خير » في محلّ نصب نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : وما تفعلوا فعلا كائنا من خير » . و « يعلمه » جزم على جواب الشرط ، ولا بدّ من مجاز في الكلام : فإمّا أن يكون عبّر بالعلم عن المجازاة على فعل الخير ، كأنه قيل : يجازكم ، وإمّا أن تقدّر المجازاة بعد العلم أي : فيثيبه عليه . وفي قوله : وَما تَفْعَلُوا التفات ؛ إذ هو خروج من غيبة في قوله : فَمَنْ فَرَضَ . وحمل على معنى « من » إذ جمع الضمير ولم يفرده . وقد خبط بعض المعربين فقال : « من خير » متعلق بتفعلوا ، وهو في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف ، تقدره : « وما تفعلوه فعلا من خير » والهاء في « يعلمه » تعود إلى « خير » . وهذا غلط فاحش ؛ لأنه من حيث علّقه بالفعل قبله كيف يجعله نعت مصدر محذوف ؟ ولأن جعله الهاء تعود إلى « خير » يلزم منه خلوّ جملة الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط ، وذلك لا يجوز ، أمّا لو كانت أداة الشرط حرفا فلا يشترط فيه ذلك فالصواب ما تقدّم . وإنما ذكرت لك هذا لئلا تراه فتتوهّم صحّته . والهاء عائدة على « ما » التي هي اسم الشرط . وألف « الزاد » منقلبة عن واو لقولهم : تزوّد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) قوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا : « أن » في محلّ نصب عند سيبويه والفراء ، وجرّ عند شيخيهما والأخفش ؛ لأنّها على إضمار حرف الجرّ ، أي : في أن ، وهذا الجارّ متعلّق : إمّا بجناح لما فيه من معنى الفعل وهو الميل والإثم ، وما كان في معناهما ، وإمّا بمحذوف ، لأنه صفة ل « جناح » ، فيكون مرفوع المحلّ أي : جناح كائن في كذا . ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه متعلق ب « ليس » ، واستضعفه ، ولا ينبغي ذلك ، بل يحكم بتخطئته البتة . قوله : مِنْ رَبِّكُمْ يجوز أن يتعلّق بتبتغوا ، وأن يكون صفة ل « فضلا » ، فيكون منصوب المحل ، متعلقا بمحذوف . و « من » في الوجهين لابتداء الغاية ، لكن في الوجه الثاني تحتاج إلى حذف مضاف أي : فضلا كائنا من فضول ربكم . قوله : فَإِذا أَفَضْتُمْ العامل فيها جوابها وهو « فاذكروا » قال أبو البقاء : « ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها فيما قبلها لأنه شرط » . وقد منع الشيخ « 2 » من ذلك بما معناه أنّ مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر ؛ لأنّ ذلك عرفات وهذا المشعر الحرام ، وإذا اختلف المكان لزم منه اختلاف الزمان ضرورة ، فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا عند إنشاء الإفاضة .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 106 ) . ( 2 ) البحر المحيط ( 2 / 97 ) .